صديق الحسيني القنوجي البخاري

262

أبجد العلوم

أصلا ، وكلّ إنما يحكي الحقيقة الحاضرة عنده المتجلية عليه ، ولكن يجب أن لا يقتصر على هذا حتى يفرق بين الحق والباطل ليظهر الهدى والضلال . نكتة : لا ريب أن الأشياء في مناسبة بعضها لبعض ليست على السواء ، وأن الإحاطة منا بجميع الأشياء بل بالشيء الواحد من جميع الجهات ممتنع . فالإنسان إذا أراد تحصيل أمر فقد يتصوره على غير ما هو عليه ، وإذا عرفه فقد يطلبه من غير مبادئه أو يأخذه من غير مأخذه إما من المحاورات العرفية التي ملأت سمعه أو المواصفات العادية التي اطمأن بها قلبه ، فينتهي إلى أمر ويبدو له باد حسب مسيره ومسلكه ، فيعتقده مطلوبا فيمسكه فيضل . وليتذكر هاهنا ما سلف في المنطق من وجوه الغلط تأييدا لهذا المقام . نكتة : وإذا صح طلبه انتهى إلى الأمر الواقع بالوجه الذي يناسب مسلكه ، واقعا في نظام من النظامات وموطن من المواطن ومرتبة من المراتب ، فيذعن له وينكر على من سلك غير مسلكه ، فانتهى إلى وجه آخر من ذلك النظام ، أو نظام آخر من ذلك الموطن ، أو موطن آخر من تلك المرتبة أو مرتبة أخرى من مراتب الواقع ، فيتسع بينهما حريم النزاع . والحق أنه لا تدافع بين النظامات والمواطن والمراتب عند نفاذ البصيرة أصلا . نكتة : هذه الكثرة الموجودة تنظمها جهات وحدة ذاتية وعرضية مختلفة بالعموم والخصوص ، فترتّب أفرادها حسا أو عقلا نسميه نظاما ، والنظامات المتوافقة في المدرك موطن واحد ، والمواطن التي يتعدد بها وجودات الأشياء ولا يقع أحدها عن الآخر في جهة فبينهما نسبة الغيب والشهادة نسميه مراتب الواقع ، فالشجرة ينظر فيها النجار من جهة كم يحصل فيها من الجذوع والألواح وغيرها من الآلات الخشبية ولما ذا يصلح خشبها من الأغراض . وابن السبيل من جهة ما لها من الظل . والفلاح من حيث كم يسقي من الماء ومن أين مخضر ومن أين مصفر . . . والصيدلاني من جهة أجزائها من ليف وخشب وورق وزهر وثمر ونواة . والطبيب من حيث أفعالها في بدن الإنسان . والطبيعي « 1 » من حيث قواها من جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة ، ومن حيث تشريحها ، فتلك جهاتها . ثم إنه قد يتعرض لها من حيث صنفها وبذرها ، وقد يتعرض لها من حيث هي في دوحتها ما كان هناك فيها ، وما كان يكون بعدها . وقد يتعرض لها من حيث ملكها مالكها من أي مال وما يحصل له منها ، فتلك نظامات تشملها ، وما لها من الروائح والأذواق والألوان والكيفيات الملموسة مواطن ، فإذا غفل صاحب قصد عن صفات أخر وأنكرها انعقد النزاع .

--> ( 1 ) أي الناظر في الحكمة الطبيعية .